السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )
89
أصول الفلسفة
امتناع ارتفاعهما « 1 » . نقد إجمالي : لو أمعنت النظر فيما تقدم بدء البحث يسهل عليك دحض دعاويهم وإبطال مذاهبهم ( ان صحّ إطلاق المذهب على ما لفّقوه من الأوهام ) فانّ القائل بأنّ العالم كلّه خيال في خيال ، إذا شرع في البحث والجدل وأراد إثبات مقالته للآخرين ، أبطل بعمله هذا مطلبه واعترف من حيث لا يشعر بخلاف ما ادّعاه ، لأنّ نفس التخاطب أوضح دليل على أنّ هنا حقائق لا تنكر ، من متكلّم ومخاطب وكلام ودلالة وإيراد . . . وانّ هنا علّة ومعلولًا ،
--> ( 1 ) . سيوافيك انّ امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما تبتني عليهما صحة البراهين عامّة ، فلا يمكن إثبات أيحقيقة مع انكاره وما زعمه المادّي من صحّة اجتماع الضدّين ، بذكر موارد ، وأمثلة جزئية لا يرجع إلى شيء ، فإنّ ما ذكره من الأمثلة ، مردود بفقدان شرائط امتناع اجتماع الضدّين أو النقيضين فيها ( 1 ) . وممّا يليق أن يذكر في المقام ما أثر عن العلّامة الشهير « ديكارت » الفرنسي ، فقد جدّد النظر في بادئ أمره في عامّة ما كان يعتقده من المحسوسات والمعقولات بإلقاء الشك فيها وقال في نفسه : إنّ من المحتمل أن تكون الصور المحسوسة والمعقولة كالصور الخيالية التي يراها الانسان في منامه وأي دليل على أنّ الصور الحسية ليست مثل مخيّلاته ، وأي برهنة دلّت على صحة مبصراتنا ومسموعاتنا وانّ لها مسحة من الحق أو لمسة من الصدق ؟ وماذا دلّ على امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ؟ ! وفي هذه الحال طرح كل ما أخذه من حقائق علمية راهنة أو أُموراً ظنّية ، وجعل الجميع في صف واحد من غير فرق بين نظريّها أو بديهيّها فلم يُبق لنفسه دعامة حتى أصل امتناع التناقض . ثمّ أصلح حاله وقال : إنّي مهما كنت شاكّاً في محسوسات الأُمور ومعقولاتها ، فلا أشك في وجود تفكيري وانّ لي صوراً ذهنية ، إذ كلّما شككت في أمر فمآل الشك إلى احتمال كون المشكوك أمراً خيالياً أو ذهنياً ، وفي هذا الظرف لا يعقل أن يكون الشك والتفكير ، والتخيّل أُموراً باطلة خارجة عن مستوى الحقائق ، فالتفكّر ليس أمراً موهوماً ولا مشكوكاً على كل التقادير سواء أصحت معلوماتي أو محسوساتي أم لم تصح . ثمّ جعل التصوّر والتفكير دليلًا على وجود متصوّره ، وبذلك أذعن على أنّ له ذاتاً وأنّ لذاته حقيقة وواقعية وقد أثر منه هذه الجملة : أنا أفكر فأنا موجود ، ثمّ جعل ما أسّسه ، مبدأ لسائر براهينه . وقد جاء الفلاسفة بنقض دليله بأُمور يطول المقام بذكرها غير انّا ننّوه بما يناسب المقام . فانّه لو حاول ببيانه هذا وترديده في عامّة الأُمور طرح عامة معارفه بديهيّها ونظريّها بحيث لا يسلم آنذاك أيأصل من الأُصول حتى امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وأي دعامة من دعائم العلوم ، فلا يقدر ان يعتمد بعد ذاك على أيدعامة ، ولا أيأصل من الأُصول بل يصير دليلًا عقيماً . توضيحه : أنّه حينما استدل بوجود التفكّر على وجود المفكّر لم يكن قائلًا ولا مسلّماً امتناع التناقضوعند ذاك لا يصح له أن يستدلّ بتصوّره على وجود المتصوّر ، لأنّه حينما يفرض نفسه مفكّراً ، لا يمتنع في فرضه أن يفرض نفسه غير مفكّر إذ المفروض عدم بقاء أيأصل من الأُصول عنده حتى أصل التناقض ، فينهدم استدلاله ، إذ هو في الظرف الذي يصور نفسه مفكّراً ، يجوز له أن يسلب عن نفسه التفكّر ، ومعه كيف يستدل على وجود نفسه إذ يصح عنده النفي في ظرف الإثبات وبالعكس . وبعبارة أخصر : انّ العلّامة « ديكارت » استدل بوجود الأثر على مؤثّره ، فلابدّ في ظرف الاستدلال أن يكون الأثر مفروض الوجود فلو صح في الوقت نفسه فرض عدم الأثر وجاز سلب الوجود عنه ، لامتنع الاستدلال من عدم الأثر على وجود مؤثّره . فاتضح أن تقبل الأصل المزبور ، أساس كل البراهين من أيطريق أُقيمت وبأي صورة ركبت ، فلو طرحه المستدل وجعله في بوتقة الشك والترديد كسائر القضايا لما استقرّ حجر على حجر ، وصارت القضايا كلّها عقيمة . - 1 . وإليك مثالًا يوضح المقصود : إذا أثبتت البراهين الهندسية انّ زوايا المثلث مساوية لقائمتين ، أو إذا أثبتنا بالآلات العلمية والتجارب الفيزياوية انّ الذرة مؤلفة من جزئين ( ألكترون وبروتون ) فالجزم بصحة تلك القضايا يتفرّع على القول بامتناع نقائضها ، أعني : عدم تساويها لقائمتين أو عدم انقسامها إلى جزئين فلو صحت النقائض لما صحّ الجزم بالاثبات . ( المترجم )